أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
257
العقد الفريد
عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ « 1 » والموت سبيل الماضين والغابرين ، « 2 » ومورد الخلائق أجمعين ، وفي أنبياء اللّه وسالف أوليائه أفضل العبرة ، وأحسن الأسوة ، فهل أحد منهم إلا وقد أخذ من فجائع الدنيا بأجزل الإعطاء ، ومن الصبر عليها باحتساب الأجر فيها بأوفر الأنصباء . فجع نبيّنا عليه الصلاة والسلام بابنه إبراهيم ، وكان ذخر الإيمان ، وقرة عين الإسلام ، وعقب الطهارة ، وسليل الوحي ، ونتيج الرحمة ، وحضين الملائكة ، وبقية آل إبراهيم وإسماعيل صلوات اللّه عليهم أجمعين ، وعلى عامة الأنبياء والمرسلين فعمت الثقلين مصيبته ، وخصت الملائكة رزيّته . ورضي صلّى اللّه عليه وسلم من فراقه بثواب اللّه بدلا ، ومن فقدانه بموعوده عوضا ؛ فشكر قضاه واتبع رضاه ؛ فقال : « يحزن القلب ، وتدمع العين ، ولا نقول ما يسخط الرب ، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون ! » . وإذا تأمل ذو النظر ما هو مشف عليه من غير الدنيا ، وانتصح نفسه وفكره في غيرها بتنقل الأحوال ، وتقارب الآجال ، وانقطاع يسير هذه المدة ذلت الدنيا عنده ، وهانت المصائب عليه ، وتسهلت الفجائع لديه ، فأخذ للأمر أهبته ، واستعد للموت عدته ؛ ومن صحب الدنيا بحسن الروية ، ولاحظها بعين الحقيقة ، كان على بصيرة من وشك زوالها . قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « اذكروا الموت فإنه هادم اللذات ومنغّص الشهوات . وليس شيء مما اقتصصت إلا وقد جعلك اللّه مقدما في العلم به ؛ ولعمري إن الخطب فيما أصبت به لعظيم ، غير أن معوّضه من الأجر والمثوبة عليه بحسن الصبر ، يهوّنان الرزية وإن ثقلت ، ويسهلان الخطب وإن عظم ؛ فوهب اللّه لك من عصمة الصبر ما يكمل لك به زلفى « 3 » الفائزين ، وقربة الشاكرين ، وجعلك من المرضيين قولا وفعلا ، الذين أعطاهم الحسنى ، ووفقهم للصبر والتقوى » .
--> ( 1 ) سورة البقرة الآية 157 . ( 2 ) الغابرين : الباقين . ( 3 ) الزلفى : القربى والمنزلة .